المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رثاء الأطفال في الشعر العربي


نسيم المساء
27Aug2007, 44 : 02 AM
رثاء الأطفال في الشعر العربي

الموت نهاية كل حي، فإذا ما قضى المرء نحبه، حزن عليه ذووه ومعارفه، فترى العيون تدمع، والقلوب تتفطر، ويبلغ الحزن مداه على كل طفل كان يملاً الأبصار بجماله، ويسر النفس بحركاته وضحكاته. فيعبر الأب عن مصابه بكلمات، يذكر فيها فداحة مصابه، ويعدد محاسن ريحانته التي عصفت بها يد القدر، وأخذتها من الحياة.
ويكون التعبير بليغاً ومؤثراً، إن صدر عن شاعر، يرسلها قصائد عصماء تخلد على مر الزمان، لأنها خرجت من فؤاد مكلوم مشفوعة بعواطف حارة وصادقة.
إن هذه القصائد تدخل في باب الرثاء، الذي يعد من المواضيع الهامة في الشعر العربي، وقد روي عن الأصمعي قال: قلت لأعرابي: مابال المراثي أشرف أشعاركم، قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقة.
ورثاء الآباء للأبناء موجود في الأدب العربي نثراً وشعراً، ولا يكاد يخلو ديوان شعر منه.
ولقد قام بجمع قسم من هذه القصائد الرثائية الأديب (عبدالمعين الملوحي) في كتابه (مراثي الآباء والأمهات للبنين والبنات من الجاهلية إلى آخر القرن الثامن) وطبعته الأولى صدرت عن دار الكنوز الأدبية - بيروت - لبنان عام 1996م. ولقد كان السبب الذي دعا الأديب (عبدالمعين الملوحي) إلى جمع هذه المراثي، أنه فقد ابنته (ورود) عام 1970، فكان كلما عثر على قصيدة رثاء للأبناء سجلها، وهدفه من ذلك وضحه في قوله (وكل ما أرجوه أن أكون قدمت خدمة ضئيلة إلى زملائي من المفجوعين والثكالى) ونتمنى أن يكمل عمله فيجمع المراثي حتى وقتنا الحاضر.
وهناك كتاب آخر عنوانه (برد الأكباد عن فقد الأولاد) للحافظ المؤرخ شمس الدين محمد بن عبدالقيس الحموي الذي عاش في القرن التاسع الهجري وتوفي في -842-ه. وحوى هذا الكتاب بعض قصائد الرثاء للأبناء.
إن الرثاء هو بكاء الميت وتعديد محاسنه ونظم الشعر فيه، ومن المعروف أن الشعراء يسلكون في رثائهم ألواناً ثلاثة: الندب والتأبين والعزاء، أما الندب فهو بكاء الأهل والأقارب حين يعصف بهم الموت، والتأبين هو ضرب من التعاطف الجماعي الذي يتجلى بالثناء على وذكر فضائله.
وفي تأبين الأطفال تذكر مكانتهم الغالية عند والديهم ومن حولهم، وتذكر براءتهم وتعدد محاسنهم وسحرهم وملامح النجابة التي كانت تلاحظ في وجوههم...
أما العزاء: فهو مرثية عقلية، ينفذ فيها الشاعر من حادثة الموت الفردية إلى التفكير في حقيقة الموت والحياة، وقد ينتهي به هذا التفكير إلى معان فلسفية عميقة.
لقد جاء الندب في الشعر العربي مابين وصف للعيون الباكية وللقلوب المتفطرة من الألم وللأجسام التي أقض مضجعها الفراق للفقيد وجعلها ناحلة.
إن موت ابن واحد يجعل والديه يسبحان في بحر من الأحزان، فما بالك بالذي يفقد أبناءه جميعهم، كما حدث مع (أبي ذؤيب) الذي فقد أبناءه الخمسة دفعة واحدة، فرثاهم بقصيدة تعد من عيون شعر الرثاء قال فيها:
أمن المنون وريبها تتوجعُ؟
والدهر ليس بمعتب من يجزعُ
قالت أميمة: ما لجسمك شاحباً
منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع؟
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعاً؟
إلا أقض عليك ذاك المضجع؟
فأجبتها أنْ ما لجسميَ أنه
أودى بنيَّ من البلاد فودعوا
أودى بنيّ وأعقبوني غصة
بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
فالعين بعدهمُ كأن حداقها
سُملت بشوك فهي عور تدمع
والقصيدة طويلة تظهر مصاب (أبي ذؤيب) وفيها رصانة وعاطفة جياشة بعيدة عن التكلف والصنعة حتى لتجدنا ننسجم معها ونشاركه في مصابه.
وثمة شاعر آخر تكاثرت عليه المصائب، ففقد أولاده الثلاثة متفرقين، وهو ابن الرومي الشاعر المعروف، ولقد رثاهم في أكثر من قصيدة، وقد سبق الموت إلى أوسطهم، واسمه محمد، فنظم في رثائه الدالية المشهورة التي يقول فيها:
توخى حِمام الموت أوسط صبيتي
فلله كيف اختار واسطة العقد
على حين شمت الخير في لمحاته
وآنست من أفعاله آية الرشد
ويقول فيها عن حال قلبه:
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له
ولو أنه أقسى من الحجر الصلد
وتنهلّ دموع عينيه على ريحانته، فيخاطبه قائلاً:
سأسقيك ماء العين ماأسعدت به
وإن كانت السقيا من الدمع لا تجدي
أعينيّ جودا لي فقد جدت للثرى
بأنفس مما تسألان من الرفد
أعيني إن لاتسعداني ألمكما
وإن تسعداني اليوم تستوجبا حمدي
إن رثاء ابن الرومي فيه تلوع وزفرات حرى تتصاعد من قلب جريح، وقد تركت فيه النوائب أثراً بليغاً، فهو يرسل أناته في لهجة مؤثرة ولهفة متحرقة مما يجعلنا نتأثر معه ونشفق عليه.
ومن القصائد المشهورة في رثاء الصغار قصيدة التهامي التي يرثي بها ابنه والتي يقول في مطلعها:
حكم المنية في البرية جارِ
ما هذه الدنيا بدار قرارِ
وفي تضاعيف القصيدة، يندب فيترجم لنا عمق لوعته على طفله فيقول:
أبكيه ثم أقول معتذراً له
وفقت حيث تركت ألأمَ دارِ
أخفي من البُرحاء ناراً مثل ما
يخفي من النار الزناد الواري
وأخفِّض الزفرات وهي صواعد
وأكفكف العبرات وهي جوار
وشهاب زند الحزن إن طاوعته
وارٍ وإن عاصيته متوار
وتتعاقب الأجيال، وتكثر الولادات، وتتعاقب الوفيات، والشعراء على مر العصور يعزفون على الأوتار الحزينة كلما فقد أحدهم غالياً،